Loading articles… / جارٍ تحميل المقالات…
Loading articles… / جارٍ تحميل المقالات…
Oct 28, 2026 · @DSC
خمسة وعشرون عامًا قضيناها في تقييم القدرات المعرفية والعقلية وتنميتها، بين ماليزيا والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة والأردن، علّمتنا دروسًا كثيرة، لعل أبرزها نبوح به هنا إليكم، والذي نعتمده في كل حالة: وهو أن الطفل الذي يجلس أمامنا ليس ملفًا ولا درجة في اختبار، ولا اسمًا تشخيصيا لاضطراب. بل هو إنسان له قصة، وقدرات لم تُكتشف بعد، وصعوبات لها أسباب يمكن فهمها.
رأينا في مسيرتتا الكثير من الأسر تخرج من عيادات التشخيص لا تحمل إلا تسمية أو وصمة أحبطتها، بينما لا تعرف ماذا تفعل بها بصددها وماذا يمكن أن تقدم لطفلها. ولردم هذه الفجوة بين التشخيص والهدف الحقيقي منه وُلدت استشارية أسرار التطور (DSC). أسستناها لتكون المكان الذي يبدأ فيه العمل الحقيقي بعد التشخيص الشامل ومتعدد الأبعاد،الذي إنما بذل الجهد فيه للانطلاق المدروس نحو الحلولو، لا لتنتهي التقارير في أماكن أخرى.
لذلك نقول لكل أسرة تطرق بابنا: نحن لا نشخّص لنمنح ابنكم اسمًا، بل لنفهمه؛ نفهمه لنعرف ما يحتاج إليه، ونكتشف ما يملكه، ونعالج ما يعوقه، ثم نمشي معه خطوة خطوة نحو النمو والاستقلال والإبداع.
التشخيص عندنا نقطة انطلاق لا محطة وصول. والعلاج ليس تسكينًا للأعراض، بل جزء من منظومة واحدة غايتها أن يتحسن أداء الإنسان النفسي والسلوكي والمعرفي والتعليمي والوظيفي، وأن تتسع إمكاناته.
هذه قناعات تكوّنت عبر السنين في غرف التقييم وجلسات الأسر، قبل أن تُكتب على الورق:
أتعامل مع الصعوبة الظاهرة على أنها علامة تحتاج إلى تفسير، لا على أنها تفسير مكتمل بذاته. ضعف التحصيل لا يعني بالضرورة ضعف القدرة العقلية. ونوبات الغضب وحدها لا تكفي لإثبات اضطراب بعينه. والطفل المشتت ليس بالضرورة طفلًا مصابًا باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
لهذا أدخل كل تقييم وأمامي أسئلة محددة:
وأحرص على التفريق بين ثلاث عمليات كثيرًا ما تُخلط: التشخيص السريري الرسمي، والتقييم الوظيفي والتربوي، وقياس القدرات. هي عمليات يكمل بعضها بعضًا، لكنها ليست شيئًا واحدًا، ولا تُغني إحداها عن الأخرى حين تكون لازمة.
لا أثق باختبار منفرد ولا بانطباع سريع. نجمع الأدلة من مصادر متعددة، ثم نقرؤها معًا حتى تتكامل الصورة. ويتولى ذلك فريق متعدد التخصصات، كلٌّ في مجاله:
وشمولية هذه المنظومة لا تعني أن يخضع كل طفل لكل الاختبارات أو أن يمر على كل التخصصات. نطاق التقييم يحدده السؤال السريري أو التربوي، وحاجة الفرد، وما بين أيدينا من أدلة.
حين تدخل أسرة إلى DSC، تبدأ رحلة لها محطات واضحة:
بهذا يصبح التقرير أداة لاتخاذ القرار، لا ورقة تُسلَّم ثم تُنسى في درج. وتصبح إعادة التقييم طريقتنا في الحكم على جدوى ما نفعله، وفي تطويره.
نجمع في DSC بين العلاج حين تكون الحاجة إليه، وتنمية المهارات، وتعديل البيئة، ودعم الأسرة والمدرسة. ويُختار كل تدخل على أساس التقييم ودرجة الحاجة والأدلة المتاحة وكفاءة من يقدّمه. ومجالات عملنا:
ونستند في ذلك إلى العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، وتحليل السلوك التطبيقي (ABA) الذي درسته وتخصصت فيه، والتدخلات التعليمية والتأهيلية الفردية، والتدريب الأسري، والعمل متعدد التخصصات.
ولا يعني هذا أن نطبق كل الأساليب على كل الحالات. الملاءمة المهنية ونتائج المتابعة هما ما يقرر عندنا الاستمرار في أسلوب أو تعديله.
كان السؤال المعتاد الذي يُطرح عليّ: كيف نوقف هذا السلوك؟ ومع السنين صرت أطرح سؤالًا آخر: ما القدرة التي يحتاجها هذا الطفل ليوقفه بنفسه؟ الهدف عندي هو التنظيم الذاتي، لا الطاعة.
ومن هنا جاء اهتمامي بالوظائف التنفيذية، وفي قلبها الكبح العصبي (التحكم التثبيطي – Inhibitory Control): قدرة الإنسان على أن يكبح الاستجابة غير الملائمة، ويقاوم المشتتات، ويؤخر رد فعله، ويوقف سلوكه أو يعدّله حين يتطلب الموقف ذلك. وأرى أن كثيرًا من المشكلات السلوكية والانفعالية والتعليمية ترتبط بضعف كفاءة هذا الكبح، أيًّا كان مصدره.
وإلى جانبه تأتي بقية الوظائف التنفيذية: الذاكرة العاملة، والمرونة المعرفية، والتخطيط، والمراقبة الذاتية.
أما اللدونة العصبية (Neuroplasticity) فهي قدرة الجهاز العصبي على التغير والتكيف بالخبرة والتعلم والممارسة. وهي ما يمنحني الثقة بأن المهارة يمكن أن تُكتسب والوظيفة يمكن أن تتحسن، دون أن أعِد أحدًا بأن كل صعوبة ستزول أو بأن النتيجة مضمونة.
في التنظيم الانفعالي والسلوكي نعمل على تسلسل بسيط في شكله، عميق في أثره: مثير ← توقف ← معالجة ← اختيار ← استجابة. نريد أن يتعلم الطفل أن يلاحظ انفعاله، ويفهم الموقف، ويختار استجابته بدل أن يندفع إليها.
وتتحول المهارة إلى أداء حقيقي بالتدريب المتدرج، والتكرار، والتغذية الراجعة، ثم بنقلها إلى مواقف الحياة: من المهمة البسيطة، إلى المهمة الأعقد، إلى الموقف الانفعالي، فالاجتماعي، فالحياة اليومية. هذا هو جوهر منهجيتنا التي نسميها في DSC «البرمجة العصبية» (Neuro-Programming): خبرات معرفية وانفعالية وسلوكية مصممة بتدرج، تستثمر اللدونة العصبية، وتمر بدورة من التقييم وتحديد الهدف والتدريب المنظم والتحدي المتصاعد والتغذية الراجعة والتعميم وإعادة التقييم. وهي لا تدّعي هندسة الشبكات العصبية مباشرة، بل تهيئ الظروف التي تسمح لها بالتغير.
وأحرص هنا على ثلاثة ضوابط. لا نستنتج ضعف الكبح من مجرد ملاحظة اندفاع أو غضب؛ فهو وظيفة تُقاس وفرضية تُختبر. ولا نفترض خللًا عصبيًا محددًا دون دليل مناسب. ولا نعدّ التحسن في تمرين معرفي دليلًا على تحسن الحياة كلها؛ لذلك نقيس النتائج في المواقف الوظيفية التي نستهدفها فعلًا.
هذا البرنامج ثمرة اشتغالي على مهارات ما وراء المعرفة والتعلم المنظم ذاتيًا والتفكير التأملي. فكرته أن يتعلم الطالب كيف يفكر وكيف يتعلم: يخطط، ويراقب أداءه، ويقيّم الاستراتيجية التي استخدمها، ويتعلم من خطئه بدل أن يخاف منه.
ويمضي البرنامج في مسار متصاعد: من الوعي بالتفكير، إلى التأمل وتنظيم التعلم ذاتيًا، إلى حل المشكلات، ثم الإبداع والابتكار، وصولًا إلى توظيف هذه القدرات في الإنجاز والمبادرة وريادة الأعمال.
طوّرته الدكتورة أروى الهجهوج، ويقوم على توظيف الخيال والأنشطة الحسية في تنمية القدرات. ونستخدمه في DSC مدخلًا لأنشطة الإثراء والتعلم والإبداع، بحسب أهداف كل برنامج وخصائص كل طفل.
وأفرّق بوضوح بين الأهداف التربوية لهذا البرنامج وبين أي ادعاء علاجي أو عصبي؛ فالأخير يحتاج إلى أدلة بحثية مستقلة. ولا أفترض أن كل نشاط حسي يقود تلقائيًا إلى تحسن معرفي أو علاجي.
أختصر ما سبق في قواعد أعلّقها أمام فريقي، وأعود إليها كلما اختلطت الأمور:
لا أرى ميزتنا في كثرة الخدمات، بل في أننا نربط التشخيص بالعلاج والتأهيل والتعليم وتنمية القدرات في مسار واحد لا ينقطع. وهذا المسار يقوم على خمس حلقات:
وطموحنا يتجاوز الحالة الفردية إلى أن نساعد الأسر والمدارس والمؤسسات على بناء بيئات تفهم الفروق الفردية، وتكتشف المواهب، وتعالج الصعوبات. ولهذا نعمل في أربعة اتجاهات: مع الأفراد تشخيصًا وعلاجًا وتأهيلًا وتعليمًا، ومع الأسر إرشادًا وتدريبًا ومشاركة، ومع المدارس تقييمًا ودعمًا تربويًا وتطويرًا للبرامج، ومع المؤسسات والمجتمع استشارة وتدريبًا وتمكينًا.
وأعرف أن جودة هذا كله مرهونة بوضوح حدود كل خدمة، وكفاءة من يقدّمها، والتزامنا بالأخلاقيات وبخصوصية من يأتمننا على أسراره، وبأدوات مناسبة، وبقياس شفاف للنتائج.
خلاصة ما أؤمن به أن ننتقل من التشخيص بوصفه تصنيفًا إلى التشخيص بوصفه أساسًا للتطوير، ومن خدمة منفصلة إلى مسار متكامل يرافق الإنسان. نبدأ بفهمه، ونتعرف إلى قوته وحاجته، ثم نبني معه خطة تجمع العلاج والتأهيل والتعليم وتطوير القدرات؛ من تأسيس المهارات ومعالجة الصعوبات، إلى التفكير والتأمل والإبداع، وصولًا إلى الابتكار والتمكين.
نفهم الإنسان لنطوّر قدراته، ونطوّر قدراته لنوسّع إمكاناته.
د. رضوان أبوسيف. & د، أروى الحجوج
DSC — Development Secrets Consultancy
Supporting Abilities, Empowering Potential